فخر الدين الرازي
79
تفسير الرازي
قلنا : قد ذكرنا في سورة البقرة أن المراد من التحريف تفسير آيات التوراة بالوجوه الباطلة الفاسدة كما يفعله المبطلون في زماننا هذا بآيات القرآن . فإن قيل : هب أنه حصل في التوراة آيات دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . إلا أنها قليلة ، والقوم ما كانوا يخفون من التوراة إلا تلك الآيات ، فلم قال : ويخفون كثيراً . قلنا : القوم كما يخفون الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فكذلك يخفون الآيات المشتملة على الأحكام ، ألا ترى أنهم حاولوا على إخفاء الآية المشتملة على رجم الزاني المحصن . الصفة الثالثة : قوله : * ( وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ) * والمراد أن التوراة كانت مشتملة على البشارة بمقدم محمد واليهود قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرؤن تلك الآيات وما كانوا يفهمون معانيها ، فلما بعث الله محمداً ظهر أن المراد من تلك الآيات هو مبعثه صلى الله عليه وسلم ، فهذا هو المراد من قوله : * ( وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ) * . واعلم أنه تعالى لما وصف التوراة بهذه الصفات الثلاث ، قال : * ( قل الله ) * والمعنى أنه تعالى قال في أول الآية : * ( قل من أنزل الكتاب ) * الذي صفته كذا وكذا فقال بعده : * ( قل الله ) * والمعنى أن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف بالصفات المذكورة المؤيد قول صاحبه بالمعجزات القاهرة الباهرة مثل معجزات موسى عليه السلام لا يكون إلا من الله تعالى ، فلما صار هذا المعنى ظاهراً بسبب ظهور الحجة القاطعة ، لا جرم قال تعالى لمحمد قل المنزل لهذا الكتاب هو الله تعالى ، ونظيره قوله : * ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ) * وأيضاً إن الرجل الذي حاول إقامة الدلالة على وجود الصانع يقول من الذي أحدث الحياة بعد عدمها ، ومن الذي أحدث العقل بعد الجهالة ، ومن الذي أودع في الحدقة القوة الباصرة ، وفي الصماخ القوة السامعة ، ثم إن ذلك القائل نفسه يقول * ( الله ) * والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة والبينة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها فسواء أقر الخصم به أو لم يقر فالمقصود حاصل فكذا ههنا . ثم قال تعالى بعده : * ( ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والأنذار وهذا المبلغ العظيم فحينئذ لم يبق عليك من أمرهم شيء البتة ، ونظيره قوله تعالى : * ( إن عليك إلا البلاغ ) * . المسألة الثانية : قال بعضهم هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا بعيد لأن قوله * ( ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) * مذكور لأجل التهديد ، وذلك لا ينافي حصول المقاتلة ، فلم يكن ورود الآية